طلاق الأب لأبنائه

طلاق الأب لأبنائه
15 مارس 2026
فقدت والدي منذ أربعة وعشرين عامًا، لكنني لم أشعر يومًا بأن غيابه قد أفقدني حضوره. فقد ترك لي إرثًا يفوق المال والجاه؛ إرثًا من القيم والمبادئ والأخلاق التي صنعت ما أنا عليه اليوم.
وعلى الرغم من كرمه المادي اللامحدود لي ولأخواتي، فقد كنا معه أغنياء بالعيش وبالنفس؛ إلا أن عطاءه الحقيقي كان بسخائه علينا في الوقت، ورعايته، واهتمامه، وصحبته لنا. فقد كان لنا نعم الصديق ونعم القدوة، ساهم في بناء شخصياتنا، ورفع ثقتنا بأنفسنا، وكان يردد دائمًا أننا أعظم إنجازاته وأربح استثماراته في الحياة. وكان مع والدتي -رحمها الله- جنبًا إلى جنب في جميع خطواتنا، شكّلا لنا مدرسة قوامها الحب والتربية والأخلاق. رحمهما الله وجزاهما عنا خير الجزاء.
ما هو دور الوالد في حياة أبنائه؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يعجز كثير من الآباء عن الإجابة عليه. فبعد الطلاق، كثيرًا ما تتحول الأم إلى الجندي الوحيد في ساحة المعركة: تُربي، تُعلّم، تواسي، وتداوي الجراح النفسية، بينما ينسحب الأب تدريجيًا وكأن الطلاق تصريح بالتخلّي.
غياب الأب، أو اكتفاؤه بدفع النفقة، أو حتى التهرب منها، يخالف تعاليم الشريعة، ويخالف الفطرة الإنسانية والقوانين كذلك.
قال تعالى: "وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ" (البقرة 233)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته".
كما أوجبت الأنظمة والقوانين على الأب النفقة ورعاية الأبناء، ومتابعة تعليمهم وصحتهم وشؤون حياتهم بالشراكة مع الأم أو الحاضنة.
فالإنفاق الأبوي لا يقتصر على المال فقط، بل يشمل الوقت، والجهد، والحضور الفعلي. فالتوجيه، والدعم النفسي، والمتابعة، هي الأساس في بناء شخصية الطفل واستقراره.
وقد أكدت التشريعات الحديثة على أن الطلاق لا يسقط الدور الأبوي، وأن إهمال الأب قد يعرضه للمساءلة القانونية.
لكن الواقع المؤلم أن بعض الآباء ينسحبون من حياة أبنائهم، متناسين أن الأبوة التزام دائم لا ينتهي بالطلاق.
والنتيجة؟
أطفال يكبرون وهم يحملون بداخلهم الغضب، والجرح، والشعور بالنقص والخذلان.
والأخطر أنهم يعيدون إنتاج هذا النموذج لاحقًا، مما يؤدي إلى تفكك الأسر وضعف المجتمع.
أما الأمهات الحاضنات، فهن الأبطال الصامتات، يحملن ما يفوق طاقتهن، يعملن ويربين، ويخفين آلامهن حفاظًا على أطفالهن.
ومع ذلك، لا يمكن للأم مهما كانت قوية أن تقوم بدور الأب والأم معًا، فلكل دور مسؤولية لا يمكن الاستغناء عنها.
رسالة إلى الأب
إن كنت غاضبًا من طليقتك، فلا تعاقب أطفالك. وإن وجدت راحة في غيابك، فتذكر الألم الذي تتركه في قلوبهم.
وجودك، ولو بكلمة أو ساعة أو رسالة، يصنع أثرًا عميقًا في نفوس أبنائك لا يُنسى، ويمنحهم أمانًا لا يُقدّر بثمن.
فالطلاق قرار بين زوجين، لكن أثره يمتد إلى الأبناء مدى الحياة. والمجتمع بحاجة إلى آباء يعيدون تعريف المسؤولية بعد الطلاق، لا بالانسحاب، بل بالحضور والالتزام.
"أن الطلاق لا يسقط الأبوة".